أثار هذا التراجع المفاجئ من الفيفا، قبل أيامٍ فقط من انطلاق كأس العالم 2026، عاصفةً إعلاميةً وجماهيريةً غير مسبوقة. فبتعديلها الخفي لقواعد السلوك في الملاعب، وحظرها التام لزجاجات المياه القابلة لإعادة الاستخدام – رغم ضمانها المبدئي السماح بعبوات المياه الشفافة الفارغة سعة لتر واحد – استشاطت الهيئة الدولية غضب جماعات المشجعين، بدءًا من المجموعة الإنجليزية “فري لايونز” و”فوتبول سبورترز يوروب”، اللتين أدانتا بالإجماع هذه الخطوة التي وصفتاها بأنها تجارية بحتة.
وبينما تتذرع المنظمة، برئاسة جياني إنفانتينو، بحجة السلامة، مدعيةً رغبتها في “منع خطر إصابة اللاعبين والمتفرجين” بتجنب إلقاء المقذوفات، تكشف تحقيقاتٌ نشرتها صحيفتا “ذا أثليتيك” و”ذا غارديان” عن دوافعَ أكثر ربحيةً. هذا الحظر التام يُجبر فعليًا ملايين المتفرجين المتوقع حضورهم في الملاعب الستة عشر في أمريكا الشمالية على الاعتماد حصريًا على منافذ البيع الرسمية التي تديرها شركة كوكاكولا، الراعي الرسمي للحدث منذ زمن طويل. في مواجهة هذا الوضع، سارع النقاد إلى وصفه بالاستغلال المالي الساخر، لا سيما وأن أسعار المشروبات في المدرجات ستكون مماثلة للأسعار الباهظة المعتادة التي تفرضها الأندية الأمريكية (NFL/MLS).
وبعيدًا عن الخسارة المالية للجماهير، فإن الجانب الصحي هو ما يثير الاستياء الأكبر. فمع إقامة المباريات في ذروة الصيف وسط حرارة خانقة تتجاوز 32 درجة مئوية بانتظام في مدن مثل مونتيري وغوادالاخارا وأتلانتا وهيوستن، يرى ممثلو الجماهير أن صعوبة الحصول على الماء تشكل خطرًا كبيرًا للجفاف وضربة الشمس في المدرجات. المفارقة واضحة: فبينما يُلزم الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) بفترات راحة لشرب الماء لمدة ثلاث دقائق بين الشوطين لحماية اللاعبين، فإنه يحرم المتفرجين من ترطيب أجسامهم. ورغم أن الهيئة الحاكمة وعدت بتوفير مناطق مظللة ومراوح وأنظمة ترطيب بالرذاذ حول الملاعب، إلا أن هذا التراجع في اللحظة الأخيرة سيظل أحد أبرز الفضائح الأخلاقية في هذه النسخة من كأس العالم التي تضم 48 فريقًا.



